ابن يعقوب المغربي

213

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

فيمدح التشبيه لذلك لأنه لا يصح الانتقال فيه ممن لم يعرض له ذلك العارض إلا بروية وبصيرة ، وقد تقدم ما يشبه هذا ، فافهم . ( وإما ) أن تحصل تلك الندرة أعنى ندرة المشبه به حصولا ( مطلقا ) أي : من غير تقييد بوقت حضور المشبه ، وتحصل الندرة على وجه الإطلاق ( لكونه ) أي : المشبه به أمرا ( وهميا ) كما تقدم في تشبيه السهام المسنونة الزرق بأنياب الأغوال ، فإن أنياب الأغوال كما تقدم وهمية أي : يفرضها الوهم ، إذ لا وجود لها خارجا ، ومعلوم أن ما لا وجود له خارجا لا يستحضره إلا المتسع في المدارك في بعض الأحيان ، فيكون إدراك تعلق وجه الشبه نادرا غير مألوف فلا ينتقل عند روم التشبيه إليه بسرعة ، وإن كان تعلقه بالمشبه ظاهرا ؛ لأن العبرة في الغرابة وعدمها إنما هو بسرعة الانتقال إلى المشبه به وعدمها لا العلم بالوجه في المشبه ، فإذا كان تعلقه بالمشبه به نادر الإدراك لندرة إدراكه بنفسه جاء التشبيه غريبا لعدم سرعة الانتقال من كل أحد أو لعدمها أصلا ، ( أو ) لكون المشبه به ( مركبا خياليا ) كما مر أيضا في تشبيه الشقيق بأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد ، فإن التركيب الخيالي لا وجود لصورته خارجا فلا يعهد ، فيكون الشأن في إدراكه الندور ، ويلزم منه ندرة إدراك تعلق الوجه به أو عدمها قبل التشبيه ، فيكون الانتقال بعد الاتساع واستعمال الفكرة ، فيكون غريبا على ما قررناه في الوهم ، ( أو ) لكون المشبه به ( مركبا عقليا ) كما مر في تشبيه مثل أحبار اليهود بمثل الحمار يحمل أسفارا فإن المراد بالمثل القصة كما تقدم ، والقصة اعتبر فيها - كما تقدم - كون الحمار حاملا لشيء وكون المحمول أبلغ ما ينتفع به ، وكونه مع ذلك محروم الانتفاع به ، وكون الحمل بمشقة وتعب ، وهذه الاعتبارات المدلولات للقصة عقلية وإن كان متعلقها حسيا ، ويحتمل أن يكون سماه مركبا عقليا باعتبار الوجه - كما تقدم - وإنما ندر حضور المركب مطلقا ؛ لأن الاعتبارات المشار إليها فيه لا يكاد يستحضرها مجموعة إلا الخواص ، فيجرى في تعلق الوجه ما ذكر مما يوجب عدم سرعة الانتقال فيكون غريبا وقوله : ( كما مر ) عائد إلى الوهمي والخيالي والعقلي - كما قررنا - وأشار بذلك إلى الأمثلة التي ذكرناها ، وقد جعل المصنف ندرة حضور المشبه به موجبا للغرابة على